يُعدُّ التعلُّم في مجال التداوُل عملية متعدَّدة المراحل، تتطلَّب التبحُّر في المعلومات والاطِّلاع المكثَّف على المصادر المختلفة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون الأمر مملًّا. في مقالنا السابق حول قصص نجاح المتداولين، استعرضنا بعض الحالات الشخصية المُلهِمة لمتداولين ذوي خبرة، وناقشنا سماتهم الشخصية وخصائصهم السلوكية. أمَّا هذا المقال من FXOpen، فيتناوَل عددًا من الأساليب التي يستخدمها المتداولون الناجحون، والتي قد لا تكون سمعت عنها من قبل.
لماذا يُعدُّ التعلُّم في مجال التداوُل أمرًا مهمًا؟
وفقًا لأبحاث أجرتها شركة SMB Capital (شركة تداوُل احترافي أمريكية متخصَّصة في تدريب المتداولين وإدارة رأس المال وتطوير استراتيجيات التداوُل)، يفشل العديد من المتداولين بسبب الانحيازات الإدراكية (أنماط ذهنية لا واعية تؤثِّر في طريقة تفسير المعلومات واتخاذ القرارات، فتدفع المتداول إلى أحكام غير موضوعية مثل المبالغة في الثقة، أو الخوف من الخسارة، أو التمسُّك بقرارات خاطئة رغم تغيُّر المعطيات) وغياب التركيز على التطوُّر المرحلي. وخلصت هذه الأبحاث إلى أنَّ عدد المنصَّات المتاحة للأشخاص الساعين إلى تطوير معارفهم ومهاراتهم في الأسواق المالية محدود نسبيًا.
ومع ذلك، يمكن تنمية التداوُل الناجح وبناؤه تدريجيًا عبر برامج تطوير مُنظَّمة، مثل الإرشاد المهني الذي يقوم على نقل الخبرة المباشرة من متداولين محترفين، والأكاديميات الداخلية (برامج تعليمية وتدريبية تُنشئها المؤسَّسات داخلها لتأهيل المتداولين وفق مناهج واضحة ومعايير أداء محدَّدة)، إلى جانب برامج التدريب العملي وخطط التدريب المتخصِّصة التي تجمع بين الجانب النظري والتطبيق الواقعي في بيئة التداوُل. وتعمل مؤسَّسات مالية رائدة مثل Tiger Cub وGoldman Sachs على رعاية المواهب وتوفير فرص تمكِّن المتداولين من التعلُّم والتدرُّب وصقل مهاراتهم.
ومن أهم الاستنتاجات التي توصَّل إليها الباحثون أنَّه من الأفضل للمتداول الطموح ألَّا يحاول خوض هذه الطريق بمفرده. إذ ينبغي على المتداولين البحث عن التدريب ضمن مؤسَّسات تُعزِّز تطوير المواهب على نحوٍ فعَّال. كما أنَّ التعلُّم من المتداولين الذين يمتلكون خبرة أطول في هذا المجال يصبح أسرع وأكثر فاعلية بفضل الإرشاد المهني والتوجيه والتعاون الجماعي.
أساليب التعلُّم الذاتي
إذا كنت ترغب في البدء بالتعلُّم من المتداولين الناجحين، يمكنك تطبيق هذه الأساليب الثلاثة لبناء المعرفة وتحسين مهارات التداوُل.
استخدام منهج تدريبي منظَّم
إليك هذا التشبيه التوضيحي. تتَّسم البرامج التي تُقدِّمها كليات الطب الرائدة بوضوحٍ شديد، وتهدف أساسًا إلى تنمية المواهب وصقلها على نحوٍ منهجي. فالأطباء يبدؤون أولًا بالدراسة الجامعية، حيث يتعلّمون الأساسيات النظرية، ثم ينتقلون إلى مرحلة الإشراف والممارسة العملية تحت توجيه أطباء مختصّين ذوي خبرة (بما يضمن التطبيق الآمن والتدريجي للمعرفة). وبالمثل، يمكن للمتداولين المرور بمراحل مشابهة، تبدأ بتأسيس قاعدة معرفية، ثم مراقبة الأسواق والتداوُل عبر حساب تجريبي، قبل الانتقال إلى التداوُل الحقيقي.
التعلُّم من خلال المراقبة والتدوين
وإليك تشبيهًا آخر. تخيَّل فريقًا لكرة السلة. إن مراجعة تسجيلات المباريات التي تخوضها الفرق استعدادًا للمواجهات المقبلة تُسهِم في إتقان المهارات. وبالمثل، يمكن للمتداولين القيام بالأمر ذاته من خلال مراقبة أداء الأصول في الأسواق الماليَّة. كما يمكن تدوين هذه الملاحظات ومشاركتها مع الآخرين للاستفادة من آرائهم وملاحظاتهم. وقد يُشكّل هذا التمرين تجربة تعليمية مهنية وشخصية في آنٍ واحد.
وتُظهِر الأبحاث أيضًا أنَّ سمات إدراكية وشخصية فريدة تميز المتداولين باختلاف استراتيجياتهم، مثل المتداولين اليوميين، ومتداولي السوينج (التداول المتأرجح/التداول على المدى المتوسط)، والمتداولين على المدى الطويل، وغيرهم. لذلك، من المهم تجربة طرق مختلفة وتحديد ما يثير اهتمامك فعليًا. ويمكنك فتح حساب لدى FXOpen واستكشاف الأدوات والأسواق المتاحة. كما يُنصَح بتجربة استراتيجياتك عبر حساب تجريبي دون أي مخاطرة.
تنظيم التدريب ضمن فِرَق
أظهرت النتائج أنَّ المتداولين الذين يكتفون بتعلُّم الأساسيات ثم يواصلون التعلُّم بشكل فردي يحققون نجاحًا أقل مقارنةً بمن يتداولون مع مرشدين وزملاء. وحين يجمع المتدرب بين دورَي المُتعلِّم والمُعلِّم، تتزايد فرص اكتساب المعارف على نحوٍ ملحوظ. ويُلاحَظ نجاح لافت عندما يقوم المتداولون المبتدئون بتطوير أدوات أو حلول تقنية تخدم المتداولين ذوي الخبرة وتُسهم في تعزيز فرص التداوُل، في حين يُشارك المتداولون المخضرمون بدورهم المبتدئين خبراتهم العملية في التعامل مع هذه الفرص والاستفادة منها.
غياب عقلية المضاربة العشوائية
يرى بعض المراقبين أنَّ كثيرًا من عملاء شركات الوساطة يتعاملون مع الأسواق الماليَّة بعقلية المضاربة غير المحسوبة، وكأنها ملاهٍ للألعاب الماليَّة، بدلًا من الالتزام بأساليب تداوُل منهجية ومدروسة. إذ يبالغون في الانخراط بمخاطرات غير مدروسة قائمة على الحدس والحظ، ولا يُبدون رغبة حقيقية في تطوير معارفهم أو العمل على الحدّ من المخاطر. فهم يرغبون في الرهان على الارتفاعات والانخفاضات وانتظار ما ستُسفر عنه النتائج، دون اعتماد نهج تحليلي أو خطة تداوُل واضحة. وتؤدِّي العادات الاستثماريَّة غير السليمة إلى تعامل البعض مع الأسواق الماليَّة بوصفها ملاهٍ ألعاب ماليَّة قائمة على الحظ بدلًا من كونها مجالًا لاتخاذ قرارات مدروسة ومنهجية.
ولهذا، فإن ما يفصل المتداولين الناجحين عن أولئك الذين يخسرون أموالهم هو الالتزام بالتداوُل وفق خطة واضحة وإدارة المخاطر بوعي. ويُؤتي التعليم في مجال التداوُل ثماره لأنَّ الالتزام بالاستراتيجيات والخطط الواضحة يُعدّ أكثر فاعلية بكثير من المضاربة العشوائية المعتمِدة على الحظ، والتي تفتقر إلى المنهج والانضباط.
أهمية الانضباط
إذا كنتَ متداولًا، فإنَّ الانضباط في قراراتك يُعدُّ جزءًا أساسيًا من مسؤولياتك المهنية. ويجب أن يكون الانضباط نمط حياة يومي إذ يسري هنا مبدأ الكل أو اللاشيء، فغياب الانضباط الكامل في أي وقت، يعني عمليًا غياب الانضباط من الأساس. ويجب الفصل بين المشاعر والانفعالات من جهة، وقرارات التداوُل من جهة أخرى، على أن تُترك الانفعالات لما بعد انتهاء فترات التداوُل.
وإذا كنتَ تفتقر إلى الانضباط الكافي للخروج من الصفقة بنفسك، فمن الأفضل الانتقال بهذا القرار ليكون آليًا عبر تعيين طلب وقف الخسارة. ويُعدُّ ذلك ضروريًا للخروج من الصفقة الخاسرة قبل أن تتسبَّب في أضرار كبيرة. إذ ينظر المتداولون الناجحون إلى المستقبل ويضعون حماية رأس المال في المقام الأوَّل.
فلا مجال للأماني أو التعويل على الحظ وابتسامات القدر. وإذا لجأت إلى ذلك، فغالبًا ما تكون قد تكبَّدت الخسارة بالفعل. وكقاعدة عامَّة، يحجب الأمل الإدراك الواقعي بأنَّ الصفقة لم تعد مربحة.
للأسف، ينخرط كثير من المتداولين باندفاع عاطفي زائد في صفقاتهم. وهو أمر يُستحسن تجنُّبه. فأفضل المتداولين هم أولئك الذين لا يسمحون للمشاعر بالسيطرة على قراراتهم، ويتعاملون مع التداوُل بوصفه نشاطًا مهنيًا منظمًا لا تجربة عاطفية.
الأفكار الختامية
يبدأ النجاح في الأداء بالموهبة، ثم يتعزَّز بتطوير المهارات من خلال تدريب موجَّه، وهو ما يدفع المؤسَّسات مثلًا إلى التركيز على استقطاب المواهب لبناء أعمال قائمة على أسس متينة. ويمكنك أنت بصفتك متداولًا، أن تفعل الأمر نفسه. فإذا جعلت التعليم أولوية، وأوليت اهتمامًا بمشاعرك وسلوكك أثناء التداوُل، فسيغدو التداوُل أبسط وأكثر وضوحًا، وتصبح قراراتك أكثر اتّزانًا وانضباطًا.
هذا المقال يعبر فقط عن رأي الشركات التابعة لمجموعة FXOpen، ولا ينبغي تفسيرها أو تأويلها على أنها عرض أو دعوة أو توصية أو نصيحة مالية فيما يتعلق بمنتجات وخدمات الشركات التابعة لمجموعة FXOpen.