يُتابع المتداولون عن كثب توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي، في ظلّ استمرار ارتفاع التقلُّبات في أسواق الطاقة العالمية.
وتتأثَّر الأسعار في الولايات المتحدة بعدة عوامل رئيسية، من بينها الإنتاج المحلي، ومستويات التخزين، وصادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG - الغاز الطبيعي الذي يُبرَّد إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض لتحويله إلى الحالة السائلة وتسهيل نقله وتصديره)، والظروف الجوية. كما أصبحت التطوُّرات الجيوسياسية المؤثِّرة في إمدادات الطاقة العالمية عاملًا متزايد الأهمية في تحريك أسعار الغاز الطبيعي.
ومع تحوُّل الولايات المتحدة إلى مُصدِّر رئيسي للغاز الطبيعي، لم تعد الأسعار المحلية تعتمد على أوضاع السوق الأمريكية وحدها، بل أصبحت ترتبط بصورة وثيقة باتجاهات الطلب العالمي. وقد يساعد فهم هذه العوامل الرئيسية المتداولين على تقييم اتجاهات الأسعار المُحتملة والتغيُّرات المستمرة في أسواق الغاز الطبيعي.
تستعرض هذه المقالة أبرز العوامل وتوقُّعات الخبراء التي تُشكِّل توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال 5 سنوات مقبلة.
مُلخَّص التوقُّعات
توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي على المدى القصير
عام 2026
تتراوح التوقُّعات التحليلية لأسعار الغاز الطبيعي خلال عام 2026 بين 3.00 دولار و3.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu - وحدة قياس تُستخدَم في أسواق الغاز الطبيعي والطاقة). وتتوقَّع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن يبلغ سعر الغاز الطبيعي الأمريكي 3.76 دولار، بينما تتوقَّع وكالة S&P Global Ratings (واحدة من كبرى وكالات التصنيف الائتماني في العالم، تابعة لشركة S&P Global) أن يبلغ السعر مستوى 3.75 دولار. ويعكس هذا التباين الواسع في التقديرات حالة الغموض المحيطة بالوتيرة التي ستستوعب بها القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المُسال (الحدّ الأقصى لكمية الغاز الطبيعي المُسال (LNG) التي تستطيع دولة أو منشأة تصديرها خلال فترة زمنية معيَّنة، استنادًا إلى قدرات التسييل والتخزين والشحن والبنية التحتية) الجديدة الارتفاع المرتقب في مستويات الإنتاج. وفي الوقت نفسه، من المُتوقَّع أن يصل الإنتاج إلى مستويات قياسية تبلغ 118 مليار قدم مكعَّب يوميًا (Bcf/d - مليار قدم مكعَّب يوميًا، وهي وحدة قياس لإنتاج الغاز الطبيعي وتدفُّقاته).
عام 2027
يتَّسع نطاق التوقُّعات التحليلية لعام 2027 بصورة أكبر، ليتراوح بين 2.88 دولار و4.17 دولار. وتتوقَّع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) سعرًا عند 3.85 دولار، بينما تُرجِّح وكالة S&P Global Ratings مستوى 3.75 دولار. ومن المُتوقَّع أن يتجاوز الطلب حجم المعروض للمرة الأولى منذ عدة سنوات، في ظل ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) المرتقب بلوغها حاجز 18.1 مليار قدم مكعَّب يوميًا.
توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي على المدى المتوسِّط للفترة (من عام 2028 وحتى عام 2030)
عام 2028
في عام 2028، تتراوح التوقُّعات التحليلية لأسعار الغاز الطبيعي الأمريكي بين 2.08 دولار و4.00 دولار. وتتوقَّع وكالة S&P Global Ratings أن تبلغ أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي 3.50 دولار خلال عام 2028. ومن الجدير بالذكر أنَّ عدد المؤسَّسات التي تنشر تقديرات محدَّدة لهذه الآفاق الزمنية البعيدة يظلّ محدودًا. وبحلول عام 2028، من المُتوقَّع أن تعمل معظم محطَّات الغاز الطبيعي المُسال (LNG) الجديدة في الولايات المتحدة عند مستويات قريبة من كامل طاقتها التشغيلية، ممَّا يوفِّر حدًّا أدنى داعمًا للطلب المحلي بصورة هيكلية (أي يولِّد طلبًا مستدامًا نسبيًا داخل السوق الأمريكية).
عام 2029
تتراوح التوقُّعات المُتاحة لعام 2029 بين 1.62 دولار و4.00 دولار. تتوقَّع وكالة S&P Global Ratings أن تبلغ أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي 3.50 دولار خلال عام 2029. ويتمثَّل التحدي الأساسي في مدى قدرة إنتاج منطقتَي هاينزفيل (Haynesville) وبرميان (Permian) على الزيادة بوتيرة تواكب الطلب المتنامي من صادرات الغاز وقطاع توليد الكهرباء.
عام 2030
في عام 2030، تتباين توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي بين 1.16 دولار و4.27 دولار، بينما يُقدِّر السيناريو الأساسي لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) في تقرير توقُّعات الطاقة السنوية (AEO) لعام 2025 السعر عند 3.43 دولار. ويعكس هذا النطاق الواسع حالة عدم يقين حقيقية بشأن مدى تراجع الاعتماد على الغاز لصالح مصادر الطاقة المتجدِّدة في منظومة الطلب، والنمو المتسارع في استهلاك مراكز البيانات من الغاز الطبيعي، فضلًا عن التساؤلات القائمة حول احتمالية انزلاق أسواق الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية نحو فائض في المعروض مع دخول مشروعات إنتاج جديدة في قطر ودول أخرى حيّز التشغيل.
لمحة عن تاريخ أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال الفترة الأخيرة
يعكس تاريخ أسعار الغاز الطبيعي في مركز هنري هَب (Henry Hub)، وهو المؤشِّر المرجعي الرئيسي لأسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، مدى تقلُّب السوق وتأثّره بالعوامل الخارجية. وفيما يلي نظرة على بعض أبرز الفترات منذ عام 2000:
بداية الألفية الجديدة: شُحّ المعروض وارتفاع التقلُّبات
· من عام 2000 وحتى عام 2001: قفزت الأسعار إلى نحو 10.00 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مدفوعةً بتراجع مخزونات الغاز الطبيعي وارتفاع الطلب.
· عام 2003: أدَّت موجة برد حادَّة في فبراير إلى قفزة في الأسعار من 4.25 دولار في أواخر عام 2002 إلى مستوى قمة قياسي بلغ 11.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وقد تفاقمت هذه الزيادة الكبيرة في الأسعار بسبب انخفاض الإمدادات وقيود التسليم.
منتصف العقد الأول من الألفية: الكوارث الطبيعية واضطرابات الإمدادات
· عام 2005: تسبَّب إعصار كاترينا في تعطُّل الإنتاج، ممَّا دفع السعر الفوري للغاز الطبيعي الأمريكي إلى تجاوز مستوى 14 دولار. وقد أظهر ذلك مدى هشاشة هذا المصدر من مصادر الطاقة أمام الظروف الجوية القاسية.
أواخر العقد الأول من الألفية: الضغوط الاقتصادية والمضاربات
· عام 2008: أدَّت الأزمة المالية العالمية إلى تراجع الطلب. غير أنَّ الأسعار سجَّلت لفترة وجيزة مستوى قمَّة عند 13.2 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu - وهي وحدة قياس شائعة في أسواق الغاز الطبيعي تُعبِّر عن كمية الطاقة الحرارية، وتكافئ تقريبًا كمية الطاقة الناتجة عن حرق ألف قدم مكعَّبة من الغاز الطبيعي)، نتيجة شُحّ الإمدادات قبل الأزمة وعمليات المضاربة التي أثَّرت في استقرار السوق.
فترة من عام 2010 وحتى 2019: ثورة الغاز الصخري
· أدَّت التطوُّرات التقنية في التكسير الهيدروليكي (تقنية لاستخراج الغاز والنفط من الصخور عبر ضخّ سوائل عالية الضغط) والحفر الأفقي (هو أسلوب حفر يبدأ رأسيًا ثم يتحول أفقيًا داخل الطبقات الصخرية للوصول إلى مساحة أكبر من الغاز أو النفط) إلى زيادة كبيرة في إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي. وساهم ذلك في استقرار الأسعار بدرجة أكبر، رغم استمرار حدوث تقلُّبات في بعض الفترات نتيجة تغيُّر الطلب خلال الظروف الجوية القاسية.
العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين: الجائحة والتحوُّلات العالمية
· عام 2020: تسبَّبت جائحة كوفيد-19 في تراجع غير مسبوق في الطلب، ممَّا أدَّى إلى هبوط الأسعار إلى 1.528 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
· من عام 2021 وحتى عام 2022: ساهم تعافي النمو الاقتصادي، وارتفاع الأسعار العالمية، والعاصفة الشتوية في عام 2021، وتراجع المخزونات، في ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي خلال عامَي 2021 و2022. وقد بلغت الأسعار مستوى قمَّة تجاوز قليلًا 10 دولارات بحلول منتصف عام 2022.
· عام 2023: ضغطت زيادة الإنتاج، واعتدال الظروف الجوية، وتراجع الطلب على الصادرات على أسعار الغاز الطبيعي خلال عام 2023. ووصلت الأسعار إلى مستوى القاع عند 1.96 دولار في أبريل.
· عام 2024: ظلّت الأسعار تحت ضغط طوال العام بفعل المستويات القياسية المرتفعة لمخزونات الغاز، وقوة الإنتاج، واستقرار القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المُسال (LNG) دون نمو يُذكر. وقد هبط السعر الفوري في مركز هنري هَب إلى 1.52 دولار في بداية العام، قبل أن يُنهي عام 2024 بالقرب من مستوى 3.50 دولار.
من عام 2025 وحتى عام 2026
دخلت الولايات المتحدة شتاء 2024-2025 بأكبر مخزون غاز منذ عام 2016، غير أنَّ الطقس البارد أدَّى إلى استنزاف المخزونات بوتيرة سريعة. وفي الوقت نفسه، وسّعت محطَّات تصدير الغاز الطبيعي المُسال الجديدة Plaquemines LNG في لويزيانا وCorpus Christi Stage 3 في تكساس، عمليات الشحن بوتيرة أسرع من المُتوقَّع. وأدَّى ذلك إلى ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG) الأمريكية بنحو 25% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 15 مليار قدم مكعَّب يوميًا. ومع ارتفاع الطلب واستمرار نمو الإنتاج بوتيرة مستقرة نسبيًا، تضاعف تقريبًا متوسِّط السعر المرجعي السنوي للغاز الطبيعي في هنري هَب مقارنةً بمستوى عام 2024، ليصل إلى نحو 4.30 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
شهدت بداية عام 2026 تقلُّبات إضافية. تسبَّبت عاصفة فيرن الشتوية (واحدة من أعنف وأقوى العواصف الثلجية والجليدية التي ضربت قارة أمريكا الشمالية بين 23 و27 يناير 2026) في ارتفاع السعر الفوري بمركز هنري هَب إلى أكثر من 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لفترة وجيزة. غير أنَّ اعتدال الطقس في فبراير أعاد الأسعار إلى نطاق تراوح بين 3 و3.50 دولار. وحتى مارس 2026، توقَّعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن يبلغ متوسِّط السعر المرجعي للغاز الطبيعي في هنري هَب نحو 3.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) على مدار العام كاملًا. وقد يؤدِّي ارتفاع الإنتاج وتزايد الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات دورًا رئيسيًا في تشكيل هذه التوقُّعات.
توقُّعات تحليلية لأسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال الفترة من عام 2026 وحتى عام 2027
تُشكِّل عدة عوامل توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي المستقبلية خلال عامَي 2026 و2027.
نمو الإنتاج
يُرجَّح أن يسجّل إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي المُسوَّق (أي الغاز الطبيعي المُعالَج والمتاح للبيع بعد استبعاد الكميات المُعاد ضخّها أو المحروقة وتنقية الغاز من الشوائب غير الهيدروكربونية) مستويات قياسية. وتتوقَّع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن يبلغ متوسِّط الإنتاج 118 مليار قدم مكعَّب يوميًا في عام 2026، و121 مليار قدم مكعَّب يوميًا في عام 2027، مقابل 116 مليار قدم مكعَّب يوميًا في عام 2025. وقد تسهم مناطق هاينزفيل (Haynesville)، وبرميان (Permian)، وأبالاشيا (Appalachia) بنحو 69% من هذا النمو. ومن المُتوقَّع أن تتجاوز منطقة هاينزفيل منطقة برميان باعتبارها المصدر الرئيسي للنمو خلال عام 2027، بفضل قربها من محطَّات الغاز الطبيعي المُسال (LNG) على ساحل الخليج الأمريكي.
مستويات مخزون الغاز الطبيعي
من المُتوقَّع أن تبلغ مخزونات الغاز الأمريكية نحو 1,840 مليار قدم مكعَّب بنهاية شتاء 2025-2026، وهو مستوى قريب من متوسِّط السنوات الخمس الماضية. وقد أدَّت العاصفة الشتوية «فيرن» في يناير إلى تسجيل أكبر سحب أسبوعي على الإطلاق، غير أنَّ ارتفاع الإنتاج بأكثر من المُتوقَّع واعتدال الطقس في فبراير خفَّفا من حدَّة هذا التراجع.
القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المُسال (LNG)
تواصل ثلاث منشآت جديدة وهي Plaquemines LNG وCorpus Christi Stage 3 وGolden Pass LNG زيادة طاقتها التشغيلية خلال عامي 2026 و2027. وترى إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أنَّ صادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG) الأمريكية سترتفع إلى 16.7 مليار قدم مكعَّب يوميًا في عام 2026، وإلى 18.1 مليار قدم مكعَّب يوميًا في عام 2027. وعالميًا، من المُتوقَّع أن يتسارع نمو إمدادات الغاز الطبيعي المُسال إلى أكثر من 7% خلال عام 2026، وهو أسرع معدل نمو منذ عام 2019، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية (IEA).
ديناميكيات الطلب العالمي
تتوقَّع وكالة الطاقة الدولية (IEA) تسارع نمو الطلب العالمي على الغاز إلى نحو 2% خلال عام 2026، بفعل الطلب من الصين والأسواق الآسيوية الناشئة. كما يُشير تقرير آفاق أسواق السلع الصادر عن البنك الدولي في أكتوبر 2025 إلى أنّ أسعار الغاز في الولايات المتحدة وأوروبا بدأت أخذت تسلك مسارات متباينة. فمن المتوقَّع أن يسجّل السعر المرجعي للغاز في الولايات المتحدة ارتفاعًا معتدلًا في عام 2026، ثم يستقر لاحقًا، بينما يُرجَّح تراجع أسعار الغاز في أوروبا. ولا تزال التوتُّرات الجيوسياسية، ولا سيَّما تعطُّل حركة ناقلات الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، تُشكِّل محركاً رئيسياً قد يُفضي إلى ارتفاعات سعرية غير متوقعة.
توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال الفترة من عام 2026 وحتى عام 2027

تُقدِّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) حاليًا أن يبلغ متوسِّط السعر المرجعي للغاز الطبيعي في هنري هَب نحو 3.76 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) في عام 2026، قبل أن يرتفع إلى 3.85 دولار في عام 2027. أمَّا وكالة S&P Global Ratings فتتوقَّع استقرار أسعار الغاز في هنري هَب بالقرب من 3.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) خلال العامين، نتيجة فائض المعروض مقارنةً بالطلب. كما توقَّع تقرير البنك الدولي الصادر في أكتوبر 2025 ارتفاع المؤشِّر المرجعي الأمريكي بنحو 11% خلال عام 2026 ليصل إلى 3.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وقد تكون احتمالات ارتفاع الأسعار أكبر من احتمالات انخفاضها، بسبب الاضطرابات الجيوسياسية وتسارع الطلب من مراكز البيانات بأكثر من المتوقع.
توقُّعات تحليلية لأسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال الفترة من عام 2028 وحتى عام 2030
ونظرًا لمحدودية عدد المؤسسات التي تُصدر توقعات سعرية للغاز الطبيعي على مدى السنوات الخمس المقبلة، يتسع نطاق التقديرات ويزداد تشتُّتها. ويبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كان الطلب المُتزايد من صادرات الغاز الطبيعي المُسال وتوليد الكهرباء سيتجاوز أثر زيادة الإنتاج وتراجع الاعتماد على الغاز لصالح الطاقة المتجددة.
سياسات التحوُّل في قِطاع الطاقة
شهدت البيئة التنظيميَّة والسياسات الناظِمة للقِطاع تحوُّلًا ملحوظًا. إذ اتَّخذت الإدارة الأمريكية الحالية موقفًا داعمًا لإنتاج الوقود الأحفوري، مع تقليص الدعم الفيدرالي لنشر مشاريع الطاقة المُتجدِّدة وتوسيع نطاقها. ويُشير تقرير توقُّعات الطاقة السنوية لعام 2025 الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA's Annual Energy Outlook 2025 - وهو تقرير دوري يستعرض توقُّعات إنتاج الطاقة واستهلاكها وأسعارها في الولايات المتحدة على المدى الطويل استنادًا إلى القوانين والسياسات السارية) إلى أنَّ الغاز الطبيعي سيحتفظ بحصَّة تقارب 40% من توليد الكهرباء في الولايات المتحدة حتى أواخر العقد الحالي. غير أنَّ هذه الحصَّة ستبدأ بالتراجُع لاحقًا مع التوسُّع المتسارع في مشاريع الطاقة المُتجدِّدة خلال ثلاثينيات القرن الحالي. ملاحظة: تستند هذه التوقُّعات فقط إلى القوانين واللوائح التنظيمية السارية حتى ديسمبر 2024.
في حين أنَّ شركة RBAC (وهي شركة استشارات وأبحاث متخصِّصة في أسواق الطاقة) وعددًا من المُحلِّلين الآخرين أشاروا إلى أنَّ التوقُّعات شديدة التفاؤل الواردة في تقرير توقُّعات الطاقة السنوية (AEO - وهو تقرير دوري تصدره إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لتقديم توقُّعات طويلة الأجل حول إنتاج الطاقة واستهلاكها وأسعارها واتجاهات السوق في الولايات المتحدة) بشأن الطاقة المتجدِّدة قد تكون غير مُواكِبة للواقع، وذلك في ظل التراجعات الأخيرة في السياسات الداعمة لهذا القِطاع. وعليه، قد يستمرّ الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء لفترة أطول ممَّا تُشير إليه التوقُّعات المرجعية الأساسيَّة.
نمو قِطاع الطاقة المُتجدِّدة
على الرغم من التحدِّيات السياسية والتنظيمية التي تواجه قطاع الطاقة المتجدِّدة في الولايات المتحدة، فإنَّ وتيرة نشر مشاريع الطاقة المتجدِّدة عالميًا لا تزال مُستمِرَّة بوتيرة متسارعة. ويتوقَّع تقرير الكهرباء لعام 2026 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA's Electricity 2026 report - تقرير يستعرض توقُّعات أسواق الكهرباء العالمية واتجاهات توليد الكهرباء واستهلاكها حتى عام 2026 مع نظرة مستقبلية أبعد) أن ينمو توليد الكهرباء بالاعتماد على الغاز بمُعدَّل سنوي يبلغ 2.6% حتى عام 2030. وتتمثَّل العوامل الرئيسيَّة المُحرِّكة لهذا النمو في الطلب المتزايد على الكهرباء في الولايات المتحدة والتحوُّل في الشرق الأوسط من استخدام أنواع الوقود الأخرى إلى الغاز، وذلك حتى مع وصول حصَّة الطاقة المُتجدِّدة والطاقة النووية معًا إلى 50% من إجمالي توليد الكهرباء عالميًا بحلول عام 2030. وبعبارة أخرى، يواصل كلٌّ من الغاز والطاقة المُتجدِّدة تحقيق النمو ضمن قِطاع توليد الكهرباء حتى عام 2030، وإن كانت حصَّة الغاز السوقية تتراجع من حيث النسبة المئوية (أي أنَّ استخدام الغاز في توليد الكهرباء يستمرّ بالارتفاع من حيث الحجم الفعلي، لكن بوتيرة أبطأ من نمو الطاقة المتجدِّدة، ممَّا يؤدِّي إلى انخفاض نسبته من إجمالي مصادر توليد الكهرباء عالميًا).
الطلب الصناعي ومراكز البيانات
لا يزال الطلب على الكهرباء من قِبَل مراكز البيانات يمثِّل العامل الأكثر غموضًا وتأثيرًا. وتتوقَّع شركة East Daley Analytics(شركة متخصِّصة في تحليلات وأسواق الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها في الولايات المتحدة) إضافة طلب جديد على الغاز يتراوح بين 4 و6 مليارات قدم مكعَّبة يوميًا بحلول عام 2030 من مراكز البيانات وحدها. في حين تذهب تقديرات أخرى إلى مستويات قد تصل إلى 10 مليارات قدم مكعَّبة يوميًا. وإذا تحقَّق حتى الحدّ الأدنى من هذه التقديرات، فقد يُشكِّل ذلك عامل ضغط قوي على المعروض خلال الفترة من عام 2028 وحتى عام 2030، ولا سيَّما في مناطق مثل تكساس وجنوب شرق الولايات المتحدة، حيث يُتوقَّع أن يعتمد جزء كبير من هذا الطلب الجديد على توليد الكهرباء بالغاز.
التوسُّع في البنية التحتية للغاز الطبيعي المُسال (LNG)
ومن المُقرَّر دخول موجة غير مسبوقة من قدرات تصدير الغاز الطبيعي المُسال (LNG) الجديدة إلى الخدمة بحلول عام 2030 (أي بدء تشغيل مرافق ومحطّات جديدة لتسييل الغاز الطبيعي وتصديره إلى الأسواق العالمية، ممَّا يزيد القدرة العالمية على التصدير بصورة كبيرة). ويُقدِّر تقرير آفاق الطاقة العالمية لعام 2025 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن تصل القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المُسال (LNG) الجديدة السنوية إلى نحو 300 مليار متر مكعَّب بحلول عام 2030، أي بزيادة تقارب 50% مقارنةً بمستويات الإمدادات العالمية الحالية. ويجري تطوير نحو نصف هذه القدرات الجديدة في الولايات المتحدة، في حين تستحوذ دولة قطر على نحو 20% إضافية. ويُعدُّ استمرار الطلب العالمي على صادرات الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي (أي استمرار استيراد كميات متزايدة من الغاز الأمريكي من قِبَل الأسواق الخارجية) أحد الأسباب الرئيسيَّة التي تدفع معظم التوقُّعات متوسِّطة الأجل إلى ترجيح استمرار تماسك أسعار الغاز الأمريكي بدلًا من تراجعها.
توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال الفترة من عام 2028 وحتى عام 2030

وفقًا للسيناريو الأساسي في تقرير توقُّعات الطاقة السنوية (AEO) لعام 2025 الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، من المتوقَّع أن تصل أسعار الغاز الطبيعي في مركز هنري هَب إلى نحو 3.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) بحلول عام 2030. كما يبقى احتمال ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 5.00 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) قائمًا، إذا تسارع الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المُسال (LNG)، إلى جانب الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات، بوتيرة تفوق التوقُّعات الحالية.
تتوقَّع شركة BMI التابعة لمجموعة Fitch Group (شركة رائدة عالميًا في مجال أبحاث الأسواق والتحليلات) مستوى 4.00 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) خلال عامَي 2028 و2029، بينما تُشير التقديرات محط الإجماع لدى وكالة بلومبيرج إلى نطاق مشابه. وتفترض كلتا الجهتين أنَّ نمو صادرات الغاز الطبيعي المُسال سيؤدِّي إلى تقليص الفائض بين العرض والطلب في السوق الأمريكية، ممَّا يدعم الأسعار، غير أنَّ استمرار نمو الإنتاج سيُخفِّف جزئيًا من هذا الأثر عبر زيادة الإمدادات المتاحة محليًا.
كما يتوقَّع مسؤولو شركات الطاقة الذين شملهم استطلاع بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس (Dallas Fed) خلال الربع الرابع من عام 2025 أن يبلغ متوسِّط سعر الغاز الطبيعي في هنري هَب نحو 5.00 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) خلال السنوات الخمس المقبلة. ويستند هذا التوقُّع إلى تزايد القناعة بأنَّ ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المُسال، وتنامي الطلب من مراكز البيانات، وإغلاق محطات الفحم، ستؤدِّي مجتمعةً إلى تقليص الفائض في السوق على المدى الطويل، ممَّا يدعم الأسعار بصورة مستدامة.
المخاطر التي قد تؤثِّر في توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي
يتأثَّر سعر الغاز الطبيعي بعدد كبير من العوامل التي تتحكَّم في ديناميكيات السوق، سواء على جانب العرض أو الطلب. وفيما يلي نظرة على أهم العوامل المؤثِّرة:
· مستويات الإنتاج: قد تؤثِّر التقلُّبات في إنتاج الغاز الطبيعي على حجم المعروض، ممَّا ينعكس بدوره على السوق.
· صادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG): قد يؤثِّر حجم صادرات الغاز الطبيعي المُسال على الإمدادات المحلية.
· الظروف الجوية: قد تؤثِّر العوامل الموسمية (مثل ارتفاع الطلب على التدفئة شتاءً أو التبريد صيفًا نتيجة تغيُّر درجات الحرارة) والظواهر الجوية القاسية في العرض والطلب معًا.
· النشاط الاقتصادي: قد تؤثِّر الحالة العامة للاقتصاد على استهلاك الغاز الطبيعي، ولا سيَّما في الِقطاعات الصناعية.
· سياسات الطاقة واللوائح التنظيمية: قد تُغيِّر السياسات الحكومية المتعلِّقة بإنتاج الطاقة وحماية البيئة من ديناميكيات العرض وآليات التسعير.
· التطوُّرات التكنولوجية: قد تُسهم التطوُّرات في تقنيات الاستخراج والإنتاج في تعزيز الإمدادات.
· ديناميكيات السوق العالمية: قد يؤدِّي الطلب والعرض العالميان للغاز الطبيعي المُسال، إلى جانب الأحداث الجيوسياسية، إلى زيادة التقلُّبات.
كيف يُراقب المتداولون أسعار الغاز الطبيعي؟
يعتمد متداولو الغاز الطبيعي عادةً على تتبُّع مجموعة من البيانات الرئيسيَّة لتكوين رؤيتهم تجاه السوق.
تقارير التخزين الأسبوعية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA): يُعدُّ تقرير تخزين الغاز الطبيعي الأسبوعي الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA's Weekly Natural Gas Storage Report) أحد أكثر التقارير متابعةً في سوق الطاقة. إذ يُوضِّح صافي التغيُّر في مخزونات الغاز الطبيعي المُخزَّنة تحت الأرض. وغالبًا ما تؤدِّي الفروقات بين النتائج الفعلية والتوقُّعات محط الإجماع في السوق إلى تحرُّكات سعرية حادَّة في العقود الآجلة على الغاز الطبيعي في بورصة نيويورك التجارية (NYMEX).
بيانات الإنتاج وعدد منصَّات الحفر. توفِّر بيانات الإنتاج وعدد منصَّات الحفر مؤشِّرات على اتجاهات المعروض. وتنشر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) بيانات الإنتاج الشهرية، بينما تُصدر شركة Baker Hughes بيانات أسبوعية لعدد منصَّات الحفر، والتي تُشير إلى نشاط الحفر المُستقبلي في الأحواض الرئيسية مثل حوض هاينزفيل الغازي في ولايات لويزيانا وتكساس وأركنساس، وحوض برميان النفطي الواقع في غرب تكساس وجنوب شرق ولاية نيومكسيكو.
التوقُّعات الجوية. تُعدّ بيانات الطقس أيضًا عنصرًا أساسيًا في التحليل. إذ تُسهم توقُّعات درجات الحرارة الصادرة عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) وعن جهات التنبُّؤ الخاصة في تحديد توقُّعات الطلب على التدفئة والتبريد. وقد يؤدِّي ذلك إلى تحرُّكات سريعة في أسعار العقود الآجلة الأقرب استحقاقًا (أي العقود الواقعة في بداية منحنى العقود الآجلة، وهو التمثيل البياني لأسعار العقود بحسب تواريخ تسليمها المختلفة، حيث تمثِّل هذه العقود أقرب فترات التسليم زمنيًا) خلال ساعات فقط.
التحليل الفني. يعتمد العديد من المتداولين على التحليل الفني للمخططات السعرية، باستخدام أدوات مثل المتوسطات المتحرِّكة، ومستويات الدعم والمقاومة، وأنماط حجم التداوُل.
ومن خلال حساب لدى FXOpen، يُمكن للمتداولين الوصول إلى تحرُّكات أسعار الغاز الطبيعي عبر عقود الفروقات (CFDs)، مع توفُّر بيانات السوق اللحظية على منصَّة TickTrader.
الأفكار الختامية
وخلاصة القول، من المُرجَّح أن تظلّ أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي شديدة التأثُّر بالتغيُّرات في المعروض، وصادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG)، والظروف الجوية، والتطوُّرات الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية.
كما قد تستمرّ التغيُّرات في مستويات الإنتاج، وديناميكيات التخزين، والتجارة العالمية للطاقة، في التأثير في تحرُّكات الأسعار والتقلُّبات.
وبالنسبة للمتداولين، قد تساعد مراقبة هذه العوامل الأساسية في تكوين فهم أوضح لديناميكيات السوق. ومن خلال حساب لدى FXOpen، يُمكن للمتداولين الوصول إلى بيانات السوق اللحظية وأدوات التحليل لمتابعة تحرُّكات أسعار الغاز الطبيعي وتداوُل هذه السلعة عبر عقود الفروقات (CFDs).
الأسئلة الشائعة
ما هي توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي؟
تُشير تحليلات الوكالات والمؤسسات إلى استمرار التماسك التدريجي في أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي خلال ما تبقَّى من العقد الحالي. ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بتزايد الطلب على صادرات الغاز الطبيعي المُسال (LNG) وارتفاع استهلاك قطاع توليد الكهرباء. غير أنَّ التوقُّعات تتباين بصورة واسعة تبعًا للافتراضات المرتبطة بنمو الإنتاج، وتبنّي الطاقة المُتجدِّدة، والتطوُّرات الجيوسياسية. ومن المُتوقَّع استمرار التقلُّبات عند مستويات معتدلة.
ما هي توقُّعات أسعار الغاز الطبيعي لعام 2026؟
بالنسبة لعام 2026، تتراوح التوقُّعات التحليلية بين نحو 3.00 دولارات و3.90 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بحسب الجهة المُصدِرة للتقديرات. وترى التوقُّعات قصيرة الأجل الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) في مارس 2026 أنَّ متوسِّط سعر الغاز الطبيعي في هنري هَب سيبلغ 3.76 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما يتوقَّع البنك الدولي مستوى 3.90 دولار. وتشمل العوامل الرئيسية المؤثِّرة شدَّة الطقس الشتوي، وتسارع تشغيل محطَّات تصدير الغاز الطبيعي المُسال (LNG)، ووتيرة نمو الإنتاج في منطقتَي برميان وهاينزفيل.
ما هو سعر تداول الغاز الطبيعي حاليًا؟
اعتبارًا من 16 مارس 2026، يجري تداول الغاز الطبيعي في مركز هنري هَب بالقرب من 3.05 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وتشهد الأسعار تقلُّبات على مدار كل جلسة تداول. ويُمكنك زيارة منصَّة TickTrader لدى FXOpen والبحث عن الغاز الطبيعي الأمريكي (XNG/USD) لمتابعة الأسعار اللحظية والتحرُّكات اليومية.
هل يُعدّ الوقت الحالي مناسبًا للاستثمار في الغاز الطبيعي؟
يعتمد قرار الاستثمار في الغاز الطبيعي على تحليل السوق والأهداف الاستثمارية الشخصية. إذ تُعدّ التقلُّبات المُحتملة في السوق وآفاق النمو المستقبلية من أبرز العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار. كما يستخدم بعض المشاركين في السوق أدوات مثل عقود الفروقات للغاز الطبيعي الأمريكي للاستفادة من تحرُّكات الأسعار قصيرة الأجل.
هذا المقال يعبر فقط عن رأي الشركات التابعة لمجموعة FXOpen، ولا ينبغي تفسيرها أو تأويلها على أنها عرض أو دعوة أو توصية أو نصيحة مالية فيما يتعلق بمنتجات وخدمات الشركات التابعة لمجموعة FXOpen.