تُعَدُّ تقلُّبات السوق، التي تتَّسم بالتغيُّرات السريعة في الأسعار، سيفًا ذا حدَّين بالنسبة للمتداولين، إذ تُمثِّل في آنٍ واحد فرصًا وتحدِّيات. فإنَّ فهم أسباب هذه التقلُّبات، وقياسها على نحوٍ فعَّال، واعتماد استراتيجيات مناسبة للاستفادة منها، قد يؤدِّي بالنتيجة إلى تحقيق نتائج تداول أفضل. ويستعرض هذا المقال الأسس الجوهرية لتقلُّبات السوق، بدءًا من تعريفها وطرق قياسها، وصولًا إلى استراتيجيات من قبيل التداوُل على الاختراق وتداوُل السوينج (التداوُل المُتأرجح أو ما يُعرَف بالتداوُل على المدى المتوسِّط).
تعريف تقلُّبات السوق وأسبابها
عند الحديث عن التقلُّبات ومعناها في المجال المالي، فإنَّها تُعرَّف عادةً على أنَّها مدى التغيُّر في سلسلة متتابعة من أسعار التداوُل خلال فترة زمنية محدَّدة. وتُعدُّ التقلُّبات عنصرًا أساسيًا في الأسواق المالية، إذ تُعبِّر عن مدى تأرجح سعر أحد الأصول الماليَّة أو مؤشِّرات السوق. وتشير التقلُّبات المرتفعة إلى تحرُّك السعر ضمن نطاق واسع خلال فترة قصيرة، في حين تدلُّ التقلُّبات المنخفضة على تغيُّرات سعرية محدودة.
أسباب حدوث التقلُّبات
تقف العديد من العوامل وراء التقلُّبات في الأسواق، من بينها:
● المؤشِّرات الاقتصادية: يمكن للبيانات الاقتصادية، من قبيل نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، ومُعدَّلات التوظيف، والتضخُّم، أن تُحدِث تقلُّبات في السوق. فعلى سبيل المثال، قد تؤدِّي التغيُّرات غير المتوقَّعة في أسعار الفائدة من قِبل البنوك المركزية إلى تأرجحات فورية في السعر.
● الأحداث الجيوسياسية: تُسهِم حالات عدم الاستقرار السياسي، والانتخابات، أو التغييرات في السياسات الحكومية في تعزيز حالة الضبابيَّة وعدم اليقين، والتي تؤدي بدورها إلى ظهور التقلُّبات. ويُعَدُّ رد فعل الأسواق الحاد عقب التصويت على اتفاقية بريكست (اتفاق أُبرِم بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يُنظِّم خروج المملكة المتحدة رسميًا من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء عام 2016. حدَّدت الاتفاقية شروط العلاقات التجارية والحدود والتنظيمات الاقتصادية وحقوق المواطنين بعد الانفصال، ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2021، منهيةً عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي بعد قرابة خمسة عقود) عام 2016 مثالًا واضحًا على ذلك.
● الحالة المعنوية السائدة في السوق: غالبًا ما تؤدِّي مشاعر المتداولين وردود أفعالهم تجاه الأخبار والأحداث إلى عمليات شراء أو بيع سريعة، الأمر الذي يُعزِّز التقلُّبات. ويُعدُّ تكثيف عمليات الشراء بعد صدور تقارير أرباح إيجابية مثالًا نموذجيًا على ذلك.
● قيود السيولة: في الأسواق ذات السيولة المحدودة، قد تتسبَّب حتى الصفقات الصغيرة في تحرُّكات سعرية كبيرة، ممَّا يزيد من حدَّة التقلُّبات.
● الأحداث والأزمات العالمية: يمكن للكوارث الطبيعية، أو الجوائح، أو الأزمات المالية أن تتسبَّب بحالة كبيرة من عدم اليقين، ممَّا يؤدِّي إلى ارتفاع التقلُّبات في الأسواق. ويُعدُّ تأثير جائحة كوفيد-19 على الأسواق العالمية خلال عام 2020 مثالًا بارزًا على ذلك.
● العوامل التكنولوجية: قد يُسهم التداوُل القائم على الخوارزميات الآلية والتداوُل عالي الوتيرة في إحداث تحرُّكات سعرية سريعة وتقلُّبات خلال ثوانٍ معدودة، ممَّا يزيد من تقلُّبات سوق الأسهم.
مؤشِّر التقلُّب

يُعدُّ مؤشِّر التقلُّب والمعروف غالبًا بالاختصار VIX، بمثابة مقياس لدرجة الضبابيَّة وعدم اليقين في السوق والحالة المعنوية للمستثمرين. وقد طوَّرته بورصة شيكاغو لتداول عقود الخيارات (CBOE)، إذ يقيس مؤشِّر التقلُّب (VIX) مستوى المخاطر في السوق ومخاوف المستثمرين من خلال احتساب التقلُّبات المتوقَّعة لمؤشِّر «ستاندرد آند بورز 500» (S&P 500). وعادةً ما يُشير ارتفاع قيمة مؤشِّر التقلُّب (VIX) إلى زيادة مستويات الخوف أو عدم اليقين، في حين يُجسِّد انخفاض مؤشِّر التقلُّب (VIX) حالةً من الثقة والاستقرار.
وفي حال رغبتك بتطبيق المفاهيم النظرية عمليًا واستكشاف مؤشِّر التقلُّب (VIX) بنفسك، ننصحك بإنشاء حساب والدخول إلى منصَّة TickTrader المجانية من FXOpen، ثم ابحث عن مؤشِّر التقلُّب (VIX) بكل سهولة.
كيف تُقاس التقلُّبات؟
يمكن قياس التقلُّبات بعدَّة طرق، ولا يقتصر الأمر على مؤشِّر التقلُّب (VIX). وفيما يلي بعض أبرز هذه الطرق:
● التقلُّبات التاريخية: تقيس هذه الطريقة التغيُّرات السابقة من خلال تحليل الانحراف المعياري (مقياس إحصائي يوضِّح مدى تشتُّت أسعار الأصل حول متوسطها الحسابي) أو التباين (مقياس إحصائي يُعبِّر عن متوسط مربعات انحراف الأسعار عن متوسطها الحسابي، وبالتالي هو مربَّع الانحراف المعياري) في سعر الأصل خلال فترة زمنية محدَّدة. وهي أداة مفيدة لفهم السلوك السعري السابق، لكنها لا تتنبَّأ بالتقلُّبات المستقبلية.
● التقلُّبات الضمنية: بخلاف التقلُّبات التاريخية، تُعنى التقلُّبات الضمنية بالتوقُّعات المستقبلية، إذ تُعبِّر عن تقديرات المشاركين في السوق لحركة الأصل. وغالبًا ما تُحتسَب بالاستناد إلى تسعير عقود الخيارات (أي من الأسعار التي تُتداوَل بها عقود خيارات الشراء والبيع، والتي تتضمَّن في قيمتها توقُّعات السوق لحجم الحركة المستقبلية للأصل)، ويمكن استخدامها لتقدير نطاق التقلُّبات المتوقَّعة في سعر الأصل.
● مؤشّر متوسِّط المدى الحقيقي (ATR): يُعدُّ ATR مؤشِّرًا فنيًا يُستخدم لقياس تقلُّبات السوق من خلال تحليل نطاق تحرُّك السعر خلال فترة معيَّنة (إذ يحتسب متوسط الفروقات بين أعلى وأدنى سعر لكل شمعة خلال فترة زمنية مُحدَّدة، دون تحديد اتجاه الحركة، ممَّا يُساعد في تقدير مدى توسُّع نطاق الحركة اليومية للأصل). وهو يأخذ في الحسبان القمم والقيعان، ممَّا يوفِّر رؤى حول ديناميكيات السوق الحالية.
● استخدام مؤشِّرات التقلُّب من قبيل مؤشِّر VIX: إلى جانب مؤشِّر التقلُّب (VIX) الشهير، توفِّر مؤشِّرات تقلُّب أخرى مخصَّصة لأسواق أو مناطق معيَّنة رؤى تحليليَّة إضافية حول مستويات الخوف والثقة السائدة في السوق. وغالبًا ما تُحتسَب هذه المؤشِّرات استنادًا إلى التقلُّبات الضمنية لعقود الخيارات المختلفة.
● مؤشِّر حدود بولنجر (Bollinger Bands): أداة تحليل فني تعتمد على الانحراف المعياري إلى جانب المتوسطات المتحرِّكة لقياس التقلُّبات (إذ يتكون من ثلاثة خطوط: الخط الأوسط وهو متوسط مُتحرّك بسيط (SMA)، والخط العلوي الذي يُحتسَب بإضافة انحراف معياري مُعين إلى الخط الأوسط، والخط السفلي الذي يُحتسَب بطرح نفس الانحراف المعياري من الخط الأوسط. وعندما تتقارب الخطوط الثلاثة، يُعرف هذا باسم «الانضغاط»، والذي يُشير إلى انخفاض التقلُّبات في السوق). ويُشير اتساع هذه النطاقات أو تقاربها إلى زيادة أو انخفاض التقلُّبات على التوالي.
استراتيجيات مُخصَّصة للاستفادة من تقلُّبات السوق
والسؤال الآن، كيف يُمكن للمتداولين الاستفادة فعليًا من الأسواق المتقلِّبة؟
التداوُل على الاختراق

يُعدُّ التداوُل على الاختراق استراتيجية يعتمدها المتداولون لرصد التحرُّكات السعرية القوية والاستفادة منها. ويحدث الاختراق (أو ما يُسمَّى بالكسر أحيانًا عند الحديث عن الاتجاهات الهبوطية) عندما يتحرَّك سعر الأصل خارج مستوى دعم أو مقاومة محدَّد مصحوبًا بزيادة في حجم التداوُل.
● تحديد مستويات الاختراق: يبحث المتداولون غالبًا عن أنماط سعرية مثل المستطيلات (نمط يتحرَّك فيه السعر طيلة فترة زمنية بين خطي دعم ومقاومة أفقيين، حيث تُظهِر القمم تكرارًا عند مستوى المقاومة، والقيعان تكرارًا عند مستوى الدعم، ممَّا يدل على توازن مؤقّت بين قوى العرض والطلب قبل حدوث اختراق) أو المثلثات (أنماط يتقارب فيها خطَّا الاتجاه العلوي والسفلي تدريجيًا، وتشير إلى حالة من التماسُك قبل تحرُّك سعري قوي محتمل في اتجاه معيَّن، وتُقسَّم عادةً إلى مثلثات صاعدة أو هابطة أو متناظرة بحسب ميل خطوط الاتجاه) أو غيرها من النماذج الفنية. وتُشكِّل حدود هذه الأنماط مستويات الدعم والمقاومة. ويُقال إنَّ الاختراق قد يحدث عندما يتجاوز السعر هذه المستويات.
● استخدام مؤشِّر حدود بولنجر (Bollinger Bands): عندما يقترب السعر من هذه النطاقات أو يخترقها، فقد يُشير ذلك إلى حدوث اختراق، لا سيَّما عند تزامنه مع زيادة في حجم التداوُل. وهذا ما يجعل مؤشّر حدود بولنجر أداة قيِّمة لتقدير تقلُّبات السوق وفرص الاختراق المحتملة.
● اعتبارات حجم التداول: غالبًا ما يترافق الاختراق الحقيقي مع زيادة ملحوظة في حجم التداوُل. ويُشير هذا الارتفاع في الحجم إلى اهتمام أقوى من المستثمرين، ممَّا يدعم استدامة الحركة السعرية.
● نقاط الدخول والخروج: يُعدُّ تحديد نقاط الدخول والخروج المناسبة عنصرًا محوريًا في استراتيجية التداوُل على الاختراق. وغالبًا ما يُحدِّد المتداولون نقاط الدخول أعلى قليلًا من مستوى المقاومة أو أسفل مستوى الدعم لتأكيد الاختراق (ففي حالة الاختراق الصعودي، ينتظر المتداول تحرُّك السعر واستقراره فوق مستوى المقاومة المُخترَقة، بما يدلُّ على تحوُّلها من حاجز بيعي إلى مستوى دعم جديد، أمَّا في حالة الكسر الهبوطي، فيُشترَط هبوط السعر واستقراره أسفل مستوى الدعم المكسور، بما يؤكِّد تحوُّله من مستوى دعم إلى مقاومة).
● إدارة المخاطر: قد ينطوي التداوُل على الاختراقات على درجة عالية من التقلُّب، لذلك يجب دعم هذه الاستراتيجية بإدارة مخاطر سليمة، تشمل تحديد حجم الصفقة بشكل مناسب ووضع مستويات وقف خسارة ملائمة. وغالبًا ما تُعيَّن طلبات وقف الخسارة بالقرب من نقطة الدخول للحد من الخسائر المحتملة.
تداوُل السوينج (التداوُل المُتأرجِح)

يهدف التداوُل المُتأرجِح إلى اقتناص المكاسب خلال فترة قصيرة إلى متوسِّطة الأجل، تتراوح عادةً بين بضعة أيام وعدَّة أسابيع. إذ يعتمد على الاستفادة من «التأرجحات» في دورات حركة السعر، وغالبًا ما يهدف إلى اقتناص فرص ناتجة عن تقلُّبات السوق. ويُنفَّذ عادةً على النحو التالي:
● تحديد الاتجاهات السائدة: يبدأ متداولو السوينج (التداوُل المُتأرجح) غالبًا بتحديد الاتجاه السائد للأصل، سواء كان صاعدًا أو هابطًا أو عرضيًا (جانبيًا). ويساعد تحديد الاتجاه السائد على مواءمة الصفقات مع التوجُّه العام للسوق.
● استخدام المؤشِّرات الفنية لقياس التقلُّب: إلى جانب أدوات مثل المتوسطات المتحرِّكة، أو مؤشِّر القوة النسبية (RSI)، أو مؤشِّر العشوائية (Stochastic Oscillator)، يستخدم متداولو السوينج (التداوُل المتأرجح) مؤشِّرات تقلُّب مثل مؤشِّر حدود بولنجر ومؤشِّر قناة كيلتنر (مؤشِّر فني يُنشئ قناة سعرية ديناميكية حول متوسط متحرّك، اعتمادًا على متوسط المدى الحقيقي ATR لقياس التقلُّب، ويُستخدَم لتحديد الاتجاهات ونقاط الاختراق والارتداد). تُعَدّ قنوات كيلتنر، التي تتكوَّن من متوسط متحرِّك ونطاقات مُحتسَبة باستخدام متوسِّط المدى الحقيقي (ATR)، أداةً فعَّالة على نحوٍ خاص في قياس تقلُّبات السوق وتحديد نقاط الدخول والخروج المحتملة عند تحرُّك السعر خارج القناة.
● نقاط الدخول والخروج: يُعدُّ تحديد نقاط الدخول والخروج بدقَّة أمرًا بالغ الأهمية. وغالبًا ما يدخل المتداولون الصفقة بعد حدوث تصحيح ضمن الاتجاه، ويخرجون منها عند بلوغ مستوى ربح مُحدَّد مسبقًا أو عند ظهور إشارات تدلُّ على انعكاس الاتجاه. ويُمكن لمقاييس التقلُّب مثل مؤشِّر قنوات كيلتنر، أن تُساعد في تحسين دقَّة هذه القرارات.
● إدارة المخاطر: تُعدُّ أساليب إدارة المخاطر الفعَّالة، مثل تعيين طلبات وقف الخسارة وتحديد حجم الصفقة، عنصرًا أساسيًا لنجاح التداوُل المتأرجح. فهي تُساعد في التحكُّم في الخسائر المحتملة إذا تحرَّك السوق بعكس توقُّعات المتداول، لا سيَّما في ظروف التقلُّبات المرتفعة.
اعتبارات إضافية ومخاطر محتملة
رغم أنَّ هاتين الاستراتيجيتين تُوفِّران نقطة انطلاق ممتازة للتداول في الأسواق المتقلِّبة، فإنَّ هناك بعض الجوانب التي ينبغي الانتباه إليها:
● انعكاسات السوق: قد تؤدِّي الانعكاسات المفاجِئة إلى خسائر، لا سيَّما في الأسواق شديدة التقلُّب.
● الإشارات الوهمية الزائفة: قد يؤدِّي الخطأ في تحديد الاختراق أو التأرجح إلى الدخول أو الخروج من الصفقة في توقيت غير مناسب.
● مخاطر الرافعة المالية: إنَّ استخدام الرافعة المالية قد يُضخِّم الأرباح والخسائر على حدٍّ سواء، ما يتطلَّب إدارة دقيقة.
● اتخاذ القرارات في ضوء اندفاع عاطفي: يتطلَّب التداوُل في الأسواق المتقلِّبة قدرًا عاليًا من الانضباط، إذ قد تؤدِّي القرارات العاطفية إلى خسائر كبيرة.
● الأحداث الاقتصادية: قد تُغيِّر الإعلانات الاقتصادية غير المتوقَّعة أو الأحداث العالمية ظروف السوق بصورة جذرية، ممَّا يؤثِّر في الصفقات المفتوحة.
الأفكار الختامية
يُمثِّل استغلال تقلُّبات السوق تحدّيًا محفوفًا بالتعقيد، غير أنّه يحمل فرصًا واعدة. ومن خلال فهم طبيعة التقلُّبات، وتطبيق استراتيجيات مثل التداول على الاختراق والتداول المتأرجح، مع مراعاة المخاطر المصاحبة، يمكن للمتداولين التنقُّل بثقة أكبر في الأسواق المتقلِّبة. وإذا رغبت في استكشاف هذه الأساليب ضمن الأسواق الحيَّة، يمكنك التفكير في فتح حساب لدى FXOpen. حيث ستحصل على إمكانية الوصول إلى مئات الأسواق ومجموعة واسعة من الأدوات والموارد التي تُساعدك في رحلتك التداولية. نتمنَّى لكم تداولًا موفَّقًا!
هذا المقال يعبر فقط عن رأي الشركات التابعة لمجموعة FXOpen، ولا ينبغي تفسيرها أو تأويلها على أنها عرض أو دعوة أو توصية أو نصيحة مالية فيما يتعلق بمنتجات وخدمات الشركات التابعة لمجموعة FXOpen.